عبد الرحمن السهيلي
256
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وسمع يوماً ناساً في ابنه هذا خير الناس ابن شر الناس ، فالتفت إليهم ، وقال : وما يعجبكم من هذا ؟ هو كإبراهيم وأنا كآزر ، وكان أبو جعفر المنصور ، يقول بعد موت عمرو بن عبيد : ما بقي أحد يستحيا منه بعد عمرو ، وكان يقول : كلّكم خاتل صيد * كلّكم يمشي رويد * غير عمرو بن عبيد وقد نبز ابن إسحاق بالقدر أيضاً ، وروايته عن عمرو بن عبيد تؤيد قول من عزاه إليه ، والله أعلم . وقعة الحرة : وذكر قول جابر فوالله ما زال ينمي عندنا ، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب فيما أصيب منا يوم الحرة يعني : وقعة الحرة التي كانت بالمدينة أيام يزيد بن معاوية على يدي مسلم بن عقبة المري الذي يسميه أهل المدينة مسرف بن عقبة ، وكان سببها أن أهل المدينة خلعوا يزيد بن معاوية وأخرجوا مروان بن الحكم وبني أمية ، وأمروا عليهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الذي غسلت أباه الملائكة يوم أحد ، ولم يوافق على هذا الخلع أحد من أكابر الصحابة الذين كانوا فيهم . روى البخاري أن عبد الله بن عمر لما أرجف أهل المدينة بيزيد دعا بنيه ومواليه ، وقال لهم : إنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله وبيعة رسوله ، وإنه والله لا يبلغني عن أحد منكم أنه خلع يداً من طاعته إلا كانت الفيصل بيني وبينه ، ثم لزم بيته ، ولزم أبو سعيد الخدري بيته ، فدخل عليه في تلك الأيام التي انتهبت المدينة فيها ، فقيل له : من أنت أيها الشيخ ؟ فقال : أنا أبو سعيد الخدري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : قد سمعنا خبرك ، ولنعم ما فعلت حين كففت يدك ، ولزمت بيتك ، ولكن هات المال ، فقال قد أخذه الذين دخلوا قبلكم علي ، وما عندي شيء ، فقالوا : كذبت ونتفوا لحيته ، وأخذوا ما وجدوا حتى صوف الفرش ، وحتى أخذوا زوجين من حمام كان صبيانه يلعبون بهما . وأما جابر بن عبد الله الذي كنا بمساق حديثه ، فخرج في ذلك اليوم يطوف في أزقة المدينة والبيوت تنتهب ، وهو أعمى ، وهو يعثر في القتلى ، ويقول : تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له قائل : ومن أخاف رسول الله ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخاف المدينة ، فقد أخاف ما بين جنبي ، فحملوا عليه ليقتلوه ، فأجاره منهم مروان ، وأدخله بيته ، وقتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمائة ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، فقد ذكروا أن امرأةً من الأنصار دخل عليها رجل من أهل الشام ، وهي ترضع صبيها ، وقد أخذ ما كان عندها ، فقال لها : هات الذهب ، وإلا قتلتك ، وقتلت صبيك ، فقالت : ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خنت الله في شيء بايعت رسوله عليه ، فانتفض الصبي من حجرها ، وثديها في فيه ، وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض والمرأة تقول : يا بني لو كان عندي شيء نفديك به ، لفديتك ، فما خرج من البيت حتى اسود نصف وجهه ، وصار مثلةً في الناس . قال المؤلف : وأحسب أن هذه المرأة جدةً للصبي ، لا أماً له ، إذ يبعد في العادة أن تبايع النبي عليه السلام ، وتكون يوم الحرة في سن من ترضع . والحرة التي يعرف بها هذا اليوم يقال لها : حرة زهرة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بها ، وقال : ليقتلن بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي ، ويذكر عن عبد الله بن سلام ، أنه قال : لقد وجدت صفتها في كتاب يهود بن يعقوب الذي لم يدخله تبديل ، وأنه يقتل فيها قوم صالحون يجيئون يوم القيامة وسلاحهم على عواتقهم ، وذكر الحديث . وعرفت حرة زهرة بقرية كانت لبني زهرة